كنت أرى الله خلف وجوه العابرين..حكاية بصيرة من غزة

كنت أرى الله خلف وجوه العابرين..حكاية بصيرة من غزة
عبدالسلام مرتجى

قلتُ لزميلي علم "قلبي غير مرتاح". ثم غادرتُ مخيم الصحافيين الذي كنت أعمل فيه وأعيش، وبعد دقائق قليلة كان المكان تحت القصف.

أصيب زميلنا حسن اصليح. وشهدنا مشاهد من الألم والاحتراق لا تغادر الذاكرة بسهولة.

لم أقل تلك الجملة عن لعلم عن عِلم. قلتها لأن شيئاً في داخلي لم يطمئن. وظللت أسأل نفسي منذ ذلك اليوم هل كان حدساً؟ أم انتباهاً لتفاصيل لم أعرف كيف أسمّيها؟ أم أنني صرت، بعد كل ما جرى، أقرأ تلك اللحظة في ضوء النجاة التي أعقبتها؟

قلبٌ لا يطمئن

لم يبدأ هذا الإحساس في المخيم. كنت أعمل صحافياً في الضفة الغربية قبل الحرب، وراودني شعور بأنها تقترب. حدّثتُ زميلة لي في نابلس عن ذلك، وأنا لا أملك دليلاً ولا تفسيراً. ثم عدتُ إلى غزة ومعي قلق لم أستطع التخلص منه.

وفي السابع من أكتوبر بدأت أيام لا تشبه شيئاً عرفناه. لم أكن أعرف حجم الكارثة، لكنني كنت أشعر بأن الأمر لن ينتهي سريعاً. طلبت من عائلتي مغادرة منزلنا، وحاولت تحذير من حولي من الخطر في محيط برج حجي، حيث تعمل مؤسسات إعلامية ويجتمع صحافيون لتوثيق ما يجري.

كيف تشرح لأمك وأبيك أن عليهما ترك البيت الذي اعتادا أن يسمّياه بيتاً، لأن قلبك غير مطمئن؟ لا دليل في يدك، ولا وجهة تعرفها. كانت عائلتي، كعائلات كثيرة في غزة، غير معتادة على النزوح. لم نكن نعلم أن مغادرة البيت قد تكون أول الطريق إلى خوف طويل وتعب وفقد. قلتُ لهم فقط: استعدوا لحرب طويلة.

بعد أيام، وقف زميلاي سعيد الطويل وهشام النواجحة أمام بيت عائلتي الذي غادرناه، يوثّقان ما كانا يتوقعان حدوثه في محيط البرج. استشهدا في الحرب، وبقيت صورتهما في ذاكرتي مقترنة بتلك الأيام التي حاولت فيها حماية من أحب، ولم أملك أن أحمي الجميع.

أتذكر أمي وهي تنهار أمام ما حدث. ومنذ ذلك اليوم صارت تنظر إلى إحساسي بالخطر كأنه شيء يستحق الإصغاء. أما أنا فلم أستطع أن أراه انتصاراً لحدسي. نجاتي لا تعني أنني كنت أعرف، ورحيل زميلي لا يعني أنهما لم ينتبها أو لم يحذرا بما يكفي.

ماذا يعني أن تشعر بالخطر ولا تستطيع منعه؟ وماذا يعني أن تنجو مرة، بينما يفقد آخرون حياتهم؟ لم أجد إجابة نهائية. وجدت إيماناً أتمسك به، وأسئلة لا تزال مفتوحة.

حين يصبح الإصغاء ضرورة

في النزوح من خان يونس إلى رفح، كنا نبحث عن طريق آمن في مكان لم يعد فيه شيء آمن. القصف والإنذارات والمجهول كانت تجبرنا على إعادة التفكير في كل خطوة. وكان أصدقائي علم ومحمد وبدر، أبناء خان يونس والأعرف بجغرافيتها، يصغون أحياناً إلى إحساسي بالخطر، حتى حين كانت معرفتهم بالمكان تكفي لاتخاذ القرار.

لم يكن عندي ضمان بأن الطريق الذي نختاره سيقودنا إلى النجاة. كنا نلتقط من التفاصيل ما يعيننا على عبور الساعات التالية، ونفعل ما نستطيع، ونترك ما لا نملكه لله. كنت أستحضر معنى التوكل، وأعود إلى قوله تعالى: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه". لم تكن الآية وعداً بألا يصيبني أذى، بل سنداً أتشبث به حين لا أملك السيطرة على شيء، ويصير الخوف أكبر من قدرتي على الاحتمال.

وأعود إلى المخيم: غادرتُ قبل القصف وبقي آخرون. لا أريد أن أجعل من نجاتي امتيازاً، ولا أن أزعم أنني كنت أرى ما لا يراه غيري. فقدنا أناساً أحببناهم، ولم تكن حياتهم أقل قيمة ولا إيمانهم أقل من إيماننا. وأكثر ما علّمتني إياه تلك اللحظات أن النجاة ليست دليل تفوق، بل مسؤولية ثقيلة يحملها من بقي حياً وهو يحاول أن يفهم.

حين انكشفت الوجوه

لكن الإبادة لم تختبر قدرتي على النجاة وحدها. اختبرت أيضاً الصورة التي كنت أحملها عن المجتمع الذي أنتمي إليه.

كنت أظن أن التدين، بصلاته وعباداته وحديثه عن الصبر والرحمة، سياجٌ أخلاقي يحمي الناس حين تضيق بهم الدنيا. ثم رأيت كيف تتسع المسافة بين ما يقوله بعضهم عن الإيمان وما يفعلونه حين يصبح الجوع فرصة، والنزوح سوقاً، وحاجة الآخرين باباً للربح والنفوذ.

رأيت أناساً تقاسموا القليل الذي يملكونه، وفتحوا ما بقي من بيوتهم للنازحين، وساعدوا جيرانهم وهم في أشد الحاجة. ورأيت في المقابل من راكم المكاسب على جوع الناس، وتعامل مع معاناتهم كأنها فرصة لا تتكرر.

كان ذلك من أكثر ما آلمني. لم أكن أظن مجتمعنا خالياً من العيوب، لكن المحنة كشفت تناقضات يصعب تجاهلها. الناس يطاردون الماء والرغيف، ويهربون من حر الخيام صيفاً، ثم يتشبثون بأعمدتها في ليالي الشتاء خوفاً من اقتلاعها، وفي الوقت نفسه كان هناك من يرى في ذلك فرصة لتوسيع نفوذه وزيادة ماله.

سألت نفسي: ما قيمة التدين إذا لم يمنع صاحبه من استغلال جائع؟ وما معنى الرحمة إذا حضرت في الكلام وغابت حين يصبح الآخر ضعيفاً؟ وأي أثر تتركه العبادة في الإنسان إذا لم تنعكس على معاملته لمن لا يملك الدفاع عن نفسه؟

هذه الأسئلة ليست حكماً على أهل غزة جميعاً. لا يُختصر مجتمع كامل في سلوك من استغلوا محنته، ولا يجوز أن ننسى ما رأيناه من شهامة وتضحية وتكافل. لكنها أسئلة فرضتها عليّ التجربة، وأعادت تشكيل معنى الإيمان الذي أبحث عنه.

وكنت أرى الفوضى ترفع أشخاصاً لا يستحقون الصدارة، بينما يتراجع أصحاب الكفاءة والكرامة. كان غضبي يشتعل حين أرى المال والعلاقات واستغلال الحاجة تصنع نفوذاً سريعاً، وأناساً يعجزون عن توفير أبسط احتياجات عائلاتهم.

ولم يكن هذا الغضب بعيداً عن حياتي. كنت أحاول حماية عائلتي، وكان أطفالي يحتاجون إلى ما لا أقدر دائماً على توفيره. أعرف معنى أن يقف الأب عاجزاً أمام احتياجات أطفاله، وأن تضيق خياراته، وأن يصمت في مواقف كان يريد أن يصرخ فيها. رفضتُ المال الذي رأيته ملوثاً بدم الناس ومعاناتهم، لكن الرفض لم يكن بطولة سهلة. جاء مصحوباً بالخوف والعجز والضغط، وما زلت أحمل آثار تلك المرحلة.

ربما لهذا صرت أقل اهتماماً بما يقوله الناس عن أنفسهم، وأكثر انتباهاً لما يفعلونه حين تُختبر قيمهم. لم أعد أبحث عن الإيمان في المظاهر، بل في الأمانة حين يكون الغش ممكناً، وفي الرحمة حين يكون الاستغلال مربحاً، وفي أن لا يجعل الإنسان حاجته مبرراً لإيذاء غيره.

ما الذي تعنيه البصيرة الآن؟

أعود اليوم إلى الآية: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". لم تعد البصيرة عندي أن أستشعر الخطر قبل وقوعه. صارت أن أرى الإنسان خلف حاجته، وأن أميّز بين الرحمة واستغلالها، وأن أعترف بأنني قد أخطئ في فهم ما أشعر به.

لم أخرج من الحرب بطلاً ولا معصوماً. كنت خائفاً وغاضباً ومرتبكاً، أحاول النجاة كغيري. وما زلت لا أعرف لماذا نجوتُ في مرات غاب فيها آخرون.

وحين يُذكر يحيى السنوار، الذي ارتبط اسمه ببداية الحرب في ذاكرة العالم، لا أدّعي أنني عرفت ما كان في ذهنه، ولا أنني امتلكت علماً بما سيحدث. كل ما أستطيع قوله إنني كنت أستشعر أن غزة مقبلة على كارثة طويلة، وإن ما عشته لاحقاً جعلني أعود إلى تلك المشاعر وأقرأها من جديد.

لم تكن بصيرتي معرفة بالغيب. كانت تجربة امتزج فيها الحدس بالخوف والإيمان ومحاولة النجاة.

وربما هذا ما أبحث عنه اليوم: أن أؤمن برسائل الله كما أشعر بها دون أن أدّعي امتلاك الحقيقة كاملة، وأن أثق بما يدفعني إلى الحذر دون أن أحوّل نجاتي إلى حكم على من لم ينجُ، وأن أبحث عن الله في وجوه العابرين ثم أسأل نفسي: هل رأيت فيهم ما يستحق الرحمة، لا ما يصلح للإدانة وحدها؟

أرجو أن تمنحني هذه البصيرة قدرة على ألا أفقد إنسانيتي وسط الخراب، وألا يصير الغضب الذي أحمله ذريعة للظلم، وألا تنسيني خيباتي أن في غزة من بقي متمسكاً بالرحمة رغم كل شيء.

كنت أرى الله خلف وجوه العابرين. وما زلت أبحث عن أثره في الوجوه التي لم تفقد قدرتها على الرحمة، حتى بعدما أخذت الحرب منا الكثير.

ببصيرتي، لا ببصري.

وللحديث بقية.